خليل الصفدي

159

أعيان العصر وأعوان النصر

قلت : لو قال : « نتف الفضيلة في نتف اللحية الطويلة » لكان ذلك حسنا ، وقد ذكرت هنا ما اتفق للشيخ تاج الدين الكندي ، والحافظ ابن دحية ، وكان الشيخ تاج الدين جالسا إلى جانب الوزير - أظنه ابن شكر - فجاء ابن دحية فجلس من الجانب الآخر فأورد ابن دحية حديث الشفاعة فلما وصل إلى قول إبراهيم عليه السّلام : « إنما كنت خليلا من وراء وراء » ، وفتح ابن دحية الهمزتين فقال الكندي : وراء وراء ، بضم الهمزتين ، فعز ذلك على ابن دحية ، وقال للوزير : من ذا الشيخ ! فقال : هذا الشيخ تاج الدين الكندي ، فتسمح ابن دحية في حقه بكلمات ، فلم يسمع الكندي إلا قوله : هو من كلب قبيح . وصنف ابن دحية في ذلك مصنفا ، وسماه « الصارم الهندي في الرد على الكندي » ، وبلغ ذلك تاج الدين الكندي فعمل مصنفا ، وسماه « نتف اللحية من ابن دحية » . قلت : قال الشيخ شهاب الدين أبو شامة : رأيت في « أمالي » أحمد بن يحيى ثعلب جواز الأمرين . انتهى . قلت : قال الأخفش : يقال من وراء فترفعه على الغاية إذا كان غير مضاف تجعله اسما ، وهو غير متمكن . كقولك : من قبل ، ومن بعد ، وأنشد : ( الطويل ) إذا أنا لم أؤمّن عليك * ولم يكن لقاؤك إلا من وراء وراء هكذا أثبته بالرفع . رجع ما انقطع من بقية ترجمة القاضي فتح الدين القليوبي : وقال له يوما فخر الدين الأحدب المعروف بابن القابلة : كان والدي يدعو اللّه تعالى أن يرزقه ، ولدا نجيبا فقال فتح الدين : لا جرم أنك جئت بختيا قال فتح الدين : كان بيني ، وبين الجلال الهوريني صحبة ، ورفقة فولي قضاء منية بني خصيب فأهدى إلي بسرا فوجدت نواه كثيرا فكتبت إليه : ( الكامل ) أرسلت لي بسرا حقيقته نوى * عار فليس لجسمه جلباب ولئن تباعدت الجسوم فودّنا * باق ونحن على النّوى أحباب قلت : سبقه إلى هذا التضمين سراج الدين الوراق - رحمه اللّه تعالى - ، ونقلته من خطه قال : أهدى إلي الرشيد الماوردي قدور تمر كربس فكتبت إليه من أبيات : ( الكامل ) يا من غدا لي واضعا بقدوره * قدرا له فوق السّماء قباب جاءت بأنواع النّوى فمجلبب * أدما وعار ما له جلباب وعلى النّقير لتمرها أثر عفى * فهدى إليه الحائرين ذباب أرجيع مالك الحجاز بعثته * والرّزق سدّ فما لديه باب